الذهبي
90
سير أعلام النبلاء
قال : ورسالة إلى الليث في إجماع أهل المدينة معروفة ( 1 ) . فأما ما نقل عنه كبار أصحابه من المسائل ، والفتاوى ، والفوائد ، فشئ كثير . ومن كنوز ذلك : " المدونة " ، و " الواضحة " ، وأشياء . قال مالكي : قد ندر الاجتهاد اليوم ، وتعذر ، فمالك أفضل من يقلد ، فرجح تقليده . وقال شيخ : إن الامام لمن التزم بتقليده ، كالنبي مع أمته ، لا تجل مخالفته . قلت : قوله لا تحل مخالفته : مجرد دعوى ، واجتهاد بلا معرفة ، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر ، حجته في تلك المسألة أقوى ، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له ، لا كمن تمذهب لامام ، فإذا لاح له ما يوافق هواه ، عمل به من أي مذهب كان ، ومن تتبع رخص المذاهب ، وزلات المجتهدين ، فقد رق دينه ، كما قال الأوزاعي أو غيره : من أخذ يقول المكيين في المتعة ، والكوفيين في النبيذ ، والمدنيين في الغناء ، والشاميين في عصمة الخلفاء ، فقد جمع الشر . وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها ، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه ، وشبه ذلك ، فقد تعرض للانحلال ، فنسأل الله العافية والتوفيق . ولكن : شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه ، فإذا حفظه ، بحثه ، وطالع الشروح ، فإن كان ذكيا ، فقيه النفس ، ورأى حجج الأئمة ، فليراقب الله ، وليحتط لدينه ، فإن خير الدين الورع ، ومن ترك الشبهات ،
--> ( 1 ) أوردها القاضي عياض في " ترتيب المدارك " 1 / 64 ، 65 وانظر رد الليث عليها في " إعلام الموقعين " 3 / 72 ، 77 .